اللبنانية لينا أبيض تمزج بين الأدب والمسرح

اللبنانية لينا أبيض تمزج بين الأدب والمسرح
اللبنانية لينا أبيض تمزج بين الأدب والمسرح

رنا نجار من بيروت*

الأحد 18 نونبر 2018 - 05:57

تختصر المخرجة اللبنانية لينا أبيض في مسرحية تحت عنوان "طيور أيلول" المسافات بين القرية والمدينة، وبين الجيل القديم والشباب، وبين الأدب الكلاسيكي والمسرح التجريبي، وهي مسرحية مقتبسة عن رواية للكاتبة اللبنانية الراحلة إميلي نصر الله عام 1962، قدمت على خشبة إروين، في حرم الجامعة اللبنانية الأمريكية ببيروت، ويؤدي أدوار شخصياتها طلاب المسرح في الجامعة.

في الأصل تنتمي رواية "طيور أيلول" إلى الأدب الكلاسيكي، وأبطالها قرويون من بلدة الكفير البعيدة في جنوب لبنان، وتتناول قضايا الهجرة وقصص الحب المبتورة والكبت والتمييز الجنسي وأحلام الشباب صعبة التحقيق. وكان من الصعب إعدادها مسرحية بلغة شباب اليوم، وبمشاهد بسيطة خفيفة تبتعد كل البعد عن قساوة حكاياتها التي ما يزال يعاني منها اللبنانيون وإن بوجوه مختلفة.

فما كان على أبيض إلا اختيار المسرح التجريبي لاختراق رصانة الرواية. أما المفتاح الأول لعصرنة النص فكان اللهجة اللبنانية المتداخلة أحيانا مع الإنجليزية، وعبر اختيار التمرينات كحدث أساسي تدور خلاله وفي فلكه المسرحية.

العرض كله يدور في مشاهد تمرينية يتدرب فيها الطلاب على صياغة حوارات إميلي نصر الله وتحويلها إلى نص مسرحي مرِن، والتدرّب على أداء شخصيات الرواية الشهيرة في المجتمع اللبناني، وهي مرسال ونجلا وحنّة ومريم ومنى.

في البداية تقف المخرجة إلى يمين الخشبة وتعلن بدء المسرحية وتوجه الممثلين الواقفين على المسرح بثياب بسيطة رياضية ومريحة جدا ليأخذوا أماكنهم وترتيب الديكور، ثم تبدأ الأحداث، ليكتشف الحضور لاحقا أن العرض قد بدأ.

شيئا فشيئا تتراكم الأحداث ويدخل المشاهد بقلبه وإحساسه وعقله في صلب السيناريو، فتظهر قصص النساء اللواتي يمنعن من الحب والحديث بصوت عال، وقصص الرجال الذين لا يمكنهم تحقيق أحلامهم لضيق الأفق في القرية التي يعتمد أهلها في معيشتهم على الزراعة، ولا سيما الزيتون.

الممثلون رغم صغر سنهم أدوا أدوارهم ببراعة رغم بعض الهفوات، وقد تباحثوا على المسرح في كيفية أداء هذه الأدوار والبحث في مدى واقعية وحداثة القصص التي كتبتها نصر الله في الرواية، مثل الاغتصاب والزواج المبكر وفض البكارة.

كما كانوا يناقشون قساوة المشاهد التي يؤدونها وكيفية علاجها على المسرح، وأهمها مشهد وداع ناجي الذي قرر الهجرة إلى الولايات المتحدة تاركا حبيبته وأهله يعانيان ألم الانفصال.

لكن الأداة التي طغت على كل ذلك البوح عن الحكايات النسوية والمجتمع الذكوري وقصص رجال طموحين يسعون إلى حياة أفضل، وكانت أكثر تميزا في الديكور البسيط، هي اختيار أبيض أن يمسك أحد الممثلين مكبر صوت حديث الصنع مع عصا طويلة ويلحق به زملاؤه الممثلون عندما يأتي وقت البوح بأسرار يجب ألا يعرفها أحد، مثل لقاء العشاق أو أسرار مريم عن حبها الأسطوري أو مرارة حكاية زواج ليلى بالقوة من رجل يكبرها سنا.

كان مكبر الصوت هو صوت إميلي نصر الله، أو صوت الراوي الذي كشف أسرار هذه الشخصيات، وكان في الوقت نفسه الصوت الذي يجب أن يبقى خلف الجدران ولا يجب أن يعرف به الأهل والجيران وأهالي الضيعة الذين لا يحفظون سراً. كان صوت الحب المقموع وقتل البنات لمجرد أنهن أحببن فقط.

سعت لينا أبيض إلى تخطي الزمن في تجسيد المشهد الحسي والشاعري في الرواية؛ وذلك بواسطة ديكور بسيط هو عبارة عن كرسي من الخشب وأغطية لنشر الزيتون عليها وفوط بيضاء، بالإضافة إلى السماء الزرقاء في خلفية المسرح التي تلطخت بالدماء عند مقتل مريم.

وقالت لينا أبيض لرويترز: "قرأت أعمال إميلي نصر الله كلها، ولكنني اخترت مسرحة (طيور أيلول) لأنها تمثل بالنسبة لي نقطة البداية الدائرية لأدب نصر الله وقصصها الحقيقية والإنسانية وحياتها التي أقفلت مع كتاب (المكان) الذي صدر بعد وفاتها" في وقت سابق من هذا العام.

وأضافت: "هربت من الكلاسيك من خلال اختيار المسرح التجريبي ودوران الأحداث خلال التمرينات حيث كل شيء مسموح للتخفيف من وطأة النص الأساسي الكلاسيكي على المشاهد". وأشارت إلى أنها لا تؤمن عادة باستخدام اللغة الفصحى على الخشبة، وتفضل اللغة الدارجة التي تصل إلى المشاهد بسلاسة.

وتابعت: "هنا أردت أن أقرّب نص الرواية من يومنا وعصرنا الذي ما يزال يعاني من قصص الحب الممنوعة بين الأديان والزواج المبكر والقسري والهجرة التي تتزايد. وأردت أن أقرب هذه المواضيع من المشاهد الشاب والمخضرم، فكان من المستحيل أن أوصل كل الرسائل التي تتضمنها المسرحية بالفصحى".

وقالت المخرجة الشابة دارين شمس الدين، بعد مشاهدتها المسرحية، لرويترز، إنه "عرض ساحري جمّل نص إميلي نصر الله ورفعه إلى أن يكون حديثا بامتياز. دخلت إلى المسرحية محتارة كيف يمكن تحويل رواية أدب شعبي وكلاسيكي إلى مسرحية مع مخرجة بعيدة كل البعد عن النمطية والكلاسيكية وإذا بي أخرج بمسرحية فيها كم من المشاعر والصدق والخفة والذكاء لم أشاهد مثلها منذ زمن في عرض مسرحي".

وذكرت الممثلة رولا حماده التي كانت بين الحضور، لرويترز: "العمل بديع إخراجيا ونقلنا إلى عالم قاس عاشه أجدادنا في القرى، ولكنه أضاء على قضايا نسوية واجتماعية ما تزال موجودة في مجتمعنا حتى اليوم".

*رويترز

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى ختام الدورة الـ 40.. جوائز «القاهرة السينمائى» تذهب لمن يستحق